فتاةٌ كحُور العِينِ بيضاءُ وردةٌ
نزيفٌ إذا قامت بدانُ بداء
مريضةُ جفن العين، حوراءُ رَخْصةٌ
لها ليلُ فَرعٍ ليس فيه ضياء
وخدٌّ أسيلٌ أبهجُ اللونِ ناعمٌ
ووجهٌ كبدرٍ قد علاه دُجاء
وثغرٌ شتيتُ النبْتِ، عذبٌ مذاقُه
كشُربِ براحٍ للسقيم شفاء
وكَشْحٌ له طيٌّ لطيفٌ مخصَّرٌ
ورِدفٌ كهَيّالٍ حواه قفاء
وساقان ريّانان غيرُ مفاضةٍ
مهفهفةٌ دارت بها الأبّاء
سقتْني زعافَ الشوقِ والحبِّ والهوى
وما العشقُ إلا محنةٌ وبلاء
ألائمي في الحبِّ دعْنيَ والهوى
أمالَكَ من نار الغرام اصطِلاء؟
فلو كنتَ ذا وجدٍ وشوقٍ ولوعةٍ
لما لُـمت صبّاً قد دهاه بلاء
إذا رمتُ أن أسلوك سحَّت صبابةً
دموعي وما قد مازجَتْها الدماء
فآهٍ وواهٍ من عماية غادةٍ
لها في سواد القلب منِّي ثَواء
«فلما تولى البينُ بيني وبينها»
تمطَّيْتُ نُجْبَ الفكر هل لي ارْعواء
إلى ما يروق العينَ من حسن وردةٍ
خَدلَّـجةٍ إذ للدُّجاءِ ضياء
وهبَّت هبوبَ المزْنِ سُحٍّ هواطلٍ
فتغدو بِطيِّ الأرض كي ما أشاء
فلما تدانى البينُ منها وأومأتْ
بطرفٍ كحيل تمَّ فيه بهاء
تذكَّرت مولى الجودِ والمجد والندى
وما لي سوى أنْ أنتحيه ثواء
على أجرَدٍ يفري المهامهَ شَيْظمٍ
وما خاف أن يشكيه عنه وجاء
وجالَ يجوبُ مَهْمهًا بعد مهمهٍ
إلى أن دَنا بـ«ما العيونِ» التجاء
أتى الرحمةَ الهادي إلى خير ربّه
ترى قصَّرت عن نيلها العلماء
ونال من الرحمن في الكون رفعةً
لقد عجزتْ عن نيْلها الأولياء
حوى الجودَ كلَّ الجود في الكون كلِّه
ترقَّى سماءً ما سماه سماء
ونال فتوحَ الكون من فضلِ ربِّه
ونال عطاءً نعمَ ذاك عطاء
هو الضَّيغم الضاري إذا شبَّ حربُنا
فليس له عند الطِّعان انزواء
تلوذُ به الكُماة يومًا لدى الوغى
يكون حِمانا نِعمَ ذاك حماء
تقي لا له قرنٌ سريٌّ سمْيذعٌ
هنيئًا لنا فيه، وحقَّ هناء
سما فضلُه علْوًا على كلِّ رتبةٍ
وما شأنُه إلا العلوُّ علاء
فتًى فاضلٌ ولا انفصامَ لفضله
كريمُ اليد آباؤه كرماء
أيا سيدَ الأكوانِ سرّاً وجهرةً
فأنت الذي «للصادي» شهدٌ وماء
وأنت الذي للمعتفين مراتعٌ
ومالٌ وغيثٌ نعمَ أنت شفاء
وأنت الذي سندُ المساكين كلِّها
وتجفوكَ رعبًا منك ذي الأقوياء
وأنت الذي للمسلمين إغاثةٌ
وأرضٌ غذاؤها وأنت سماء
إذا اجتمع الشَّفّانِ والأرضُ صَفْصفٌ
فيُغريك بالإعطاء ذاك سخاء
ومن لي بشيخٍ ما يُرى قطُّ مثلُه
سخاءً وعزمًا، قد وقاه حياء
لعمريَ ما في الدهر قطُّ نظيرُه
ولا ما به قطُّ وُلدْنَ نساء
يُباري الجدى نَيْلٌ يُرى منه عسجدًا
بعيد الكدى، فالنيلُ منه جناء
وملجَؤُنا وابنٌ لملجَئنا نعمْ
يكونُ به يومَ اللقاء لواء
وما هو إلا كالسحاب لأرضنا
فما لم يخبْ لمن أتاه وعاء
لعمريَ ما تُحصى محاسنُه بلَى
ولا ينتهي، كلا عليه ثناء
هو المصطفى من كلِّ عيبٍ مُبرَّأٌ
جزاه الإلهُ ربُّ ذاك الجزاء
سجيٌّ سخيٌّ الكفِّ رحبٌ فِناؤه
تسامت به القُرباء والغرباء
فكم دنفٍ نَقَّى أتاه على شفًا
فيأتيه من قبل النزول دواء
تقيٌّ نقيٌّ طاهرٌ متطهِّرٌ
سعيدُ الورى آباؤه سُعداء
سخيٌّ وليٌّ كاملٌ رُتَبَ العلا
تسامتْ به الأهلون والبُعداء
يُباري الولَى نفلاً حبَا كلَّ معتفٍ
فسِيّانِ نزرٌ ما له وثراء
هو الغيثُ لا تُحصَى فضائلُه بلى
لقد قصَّرت عن حصْرِها الألبّاء
هو السيدُ الهادي إلى الفضل والعلا
سعيدٌ تسابقَتْ له السُّعداء
هو المهتدي إلى سبيل الهدى نعم
تجافَتْ له، بسعيِها الأشقياء
رحيمٌ مُنَى مَنْ قد ألمَّ ببابه
نجيبٌ كذا آباؤُه نُجباء
صفوحٌ عن الإخوان في كل زلَّةٍ
جسورٌ إذا قد بارزَتْه عِداء
شفيعٌ نذيرٌ طيبٌ متطيِّبٌ
وبحرٌ خضمٌّ والأنام إضاء
خفَى فضلُ كلِّ الأولياء بفضلِه
فما للنُّجوم في الصباح جلاء
وضاءَتْ نجومُ الحقِّ عند انجلائه
فما للظلام في الصباح بقاء
أيا شيخَنا بالله كن ليَ ملجأً
فما لي سواك ملجأٌ ورَجاء
وصلّى إلهُ العرش ما طلع الضُّحى
على المصطفى يتلو الصلاةَ ثناء
وسلِّم عليه دائمًا ثم آلِه
وأصحابه إذ همَّ ذاك حجاء