ألم تر أنَّ الشيخَ «حرمةَ» بعد ما
عهدناهُ ضوء َالأرضِ غُيِّبَ في القَبْر
لقد أظلم الآفاقُ بعد مغيبه
فلا اليومُ ذا شمسٍ ولا اللّيلُ ذا بدر
إمامٌ لعقد الدهر كان يتيمَةً
فَما زالَ يولي الهَدْيَ كالكوكب الدرّي
تصدَّر للتدريس مذ هو يافعٌ
إلى أن روى من علمه كلِّ ذي صَدْر
تمدَّدَ في طاعات مولاه عمرَه
ليكمل كَسْبَ الخَيْر في مدد العُمْر
جرى في زوايا الفسق بحْرَ هداية
فأنبت أزهار التُّقى فهي كالزُّهْر
تدفّقَ في مَحْل الجهالة صيّبًا
فأنبت روض العلم يهتزُّ كالزَّهْر
فلو أن عِلْم الشّيخ وُزّعَ في الورى
لما كان فيهم من بليدٍ ولا غمر
فهل لأسارى الجهل بعْدُ تخلّصٌ
مِنَ اسر العمى أو للأوابد من أسْر
فمن حِلَقٍ في الذكر تبغي تمهّرا
فعلّمهم حسنَ التلاوة للذكر
ففازوا بنفعٍ من رواية نافع
وعاصمٍ الـمُقْري وحمزةَ والبَصْري
ومن حِلَقٍ للنّحو تنحو درايةً
فآبوا وكلٌّ كالكسائيِّ أو عمرو
ومن حلقٍ راموا طريقةَ مالكٍ
أصولاً وفرعًا فانثنوا منهُ بالظّفْر
وكم من خصومٍ قد تشابه أمرُهُمْ
وأعيا على غُلْبِ القضاةِ أولي الأمر!
كفاهمْ نزاعًا بينهمْ منه عادلٌ
يسوّي رفيعَ القوم بالخامل الذِّكْر
فلم يخشَ في الرّحمنِ لومةَ لائم
ولم يَرْعَ فيه عَيْن ذي النّظَرِ الشَّزْر
ومن طالبي علم البيان أفادهم
بيانًا فأمسَوا في البيان ذوي سحر
وباغي علومِ المنطقِ ازدان نُطْقُهُ
بما قد وعى من منطقٍ منه كالتِّبْر
فلا الشّعرُ يستوفي مناقبَه العلا
ولو أنني أفنيْتُ عُمْرِيَ في الشِّعر
فصبرًا عليه يا بنيه وقلّما
على مثله تُلْفى مطاوعةُ الصبر
فما انهدَّ بيتٌ للمكارم أنتمُ
دعائمُهُ فاهنَوا بفخرٍ على فخر
فنِعْم تراث الأكرمين تراثكم
تراث التُّقى والفخرِ فاغنوا بذا الوَفر
فلا صدّعتْ أيدي الحوادثِ شَمْلَكُمْ
ولا نالكم ما ساء من حادثِ الدهر
ولا زلتمُ من ربكمْ في رعاية
تحوطكُمُ عينُ العناية والسِّتْر
سقى الله قبرًا ضمَّ «حرمةَ» وابلاً
من العفوِ والغُفران منهمل القَطْر
ليبقى على أرض الكليم فإنه
تضمّن خير الناس من أهل ذا العصر
لعمري لقد أمسى الندى بإزائه
دفينًا وغابَ العلم والحِلْمُ في قَبْر
فلا يبعدنّ الشيخ «حرمة» إنه
له بركاتٌ لم يزل سِرُّها يسري
وبوِّئهُ في أعلى الفراديس منزلا
مع النَّفر الأعلى من المعشر الغرِّ
ينال بها ذخرًا جزيلاً نعيمُه
ورضوان مولاه له أكملُ الذُّخْر
وإنّي على ما ناب أوْ هُوَ نائبٌ
أصلّي على خير البريّةِ ذي القدر